الـخـيــــــط
و الغصن على الشجرة تحركه الريح
و الإنسان وحده .. هو الذي
تحركه إرادته ..
أجمل ما في الدنيا أنها واضحة .. تغمرها الشمس .. كل شيء فيها يمكنك أن تراه و تسمعه و تزنه و تقيسه و تتذوقه و تحلله و تستنتجه ..
كل ما يحدث فيها له سبب .. و إذا عرفت سببه استطعت إحداثه .. كل شيء يجري بنظام محكم من الأسباب و النتائج .. و إذا كان لديك ورقة و قلم فإنك تستطيع أن تحسب بالضبط متى تشرق الشمس و متى تغرب.. لأنها تتحرك حسب قانون ..
و كل شيء في الدنيا يتحرك حسب قانون ..
إلا الإنسان.. فإنه يشعر أنه يمشي على كيفه.
الإنسان وحده هو الحر المتمرد الثائر على طبيعته وظروفه ولهذا يصطدم بالعالم ويصارعه .. ويستحيل في أية لحظة أن تتنبأ بمصيره..
إن ما يحدث داخل الإنسان وفي قلبه لا يخضع لقانون..لا توجد هذه الحلقات المترابطة من الأسباب والنتائج في داخل نفوسنا.
إننا نرغب .. ونتحمس .. ونعمل ولكن هذه السلسلة من الرغبة والحماس والعمل لا تتبع الوحدة الأخرى حتما.. وإنما يظل الإنسان قادرا على التملص في أية لحظة .. فإذا تراءى له أن يصرف النظر .. فإن رغبته تموت وحماسته تبرد ولا يتسلسل إلى غايته ..
والسبب؟..
لا يوجد سبب ..
انه لم يعد يريد .ز
ولماذا لم يعد يريد ..
كده ..
هو ببساطة لم يعد يريد ..
أن مجرد إرادته سبب .. في غير حاجة إلى سبب ..والضروري ..لا يوجد في أي مكان في الدنيا إلا في الإنسان ..إنه وحده الذي خلق نفسه بنفسه .. ويولد كل يوم ميلادا جديدا .. ويتطور ويتكون ..وتتغير شخصيته وتدخل عليها التعديلات والتبديلات ..
إن إرادته تدخل على كل لحظة فتعدلها وتخل بأي تعاقد طالما أنها أرادت هذا الإخلال..
ولهذا يستحيل التنبؤ ..لأن لكل لحظة تبدو جديدة غير متعاقدة بمسابقتها .
لاشيء يحول بين الإنسان وبين أن يضمر شيئاً في نفسه ..إنه المخلوق الوحيد الذي يملك ناصية أحلامه ..
* * *
ولكن هذه الحرية البكر الطليقة في الداخل ما تلبث أن تصطدم بالعالم حينما تحتك به لأول مرة في لحظة الفعل .
إن رغبتنا تظل حرة طالما هي في الضمير و النية ..
نستطيع أن نرغب أي رغبة ..ونحلم أي حلم .. ونتمنى أي أمنية .. ولكن المأساة تبدأ في لحظة التنفيذ حينما تحاول رغباتنا أن تحقق نفسها في الواقع.. فتصطدم بالقيود ..وأول قيد نصطدم به هو الجسد..جسدنا نفسه الذي يحيط بنا مثل الجاكتة الجبس..ويحاصرنا بالضرورات والحاجات ويطالبنا بالطعام والشراب ليعيش و يستمر و لا نجد مهرباً من تلبية هذه المطالب.. فنجري خلف اللقمة ونلهث خلف الوظيفة ونضيع في صراع التكسب ونفقد بعض حريتنا..
وليس أمامنا حلٌّ غير هذا فرغباتنا لا تستطيع أن تعلن عن نفسها بدون جسد..
وجسدنا هو أداة حريتنا ..إن كان يقيد هذه الحرية في نفس الوقت..
وليس جسدنا وحده بل أجساد الآخرين أيضاً أدواتنا.. فنحن ننتفع بما يصنعه العامل وما يزرعه الفلاح وما يخترعه المخترع وما يكتبه الكاتب وكل هذه ثمار أجساد الآخرين وحرياتهم..
إن المجتمع أداة هائلة موضوعة في خدمتنا بما فيه من بريد ومواصلات ونور ومياه وصناعات وعلوم ومعارف.
وحينما يركب أحدنا قطاراً فإنه يركب في نفس الوقت على حرية جاهزة أعدها له آلاف العمال والمخترعين والمهندسين في سنين تاريخية طويلة..وهو يدفع في مقابل هذا الكسب ضريبة من حريته .
وليس المجتمع وحده هو الذي يتقاضاه ضرائب .. ولكن الكون كله ..جاذبية الأرض ..وضغط الهواء .. ومياه المحيطات والغابات بحيواناتها وطيورها والسماء بكواكبها .. كلها تحاصره وتحاصر حريته وتطالبه بنوع من الوفاق معها .وهو بالوفاق يربح حريته دائماً ..
بالوفاق مع العالم يمتطيه كما يمتطى الجواد ..
فهو حينما يفطن إلى اتجاه الريح ..ويضع شراعه في مواجهته يمتطي الريح ويسخره لخدمته .
وحينما يفطن إلى أن الخشب أخف من الماء .. و يصنع مركباً من الخشب .. يمتطي الماء .. و بالمثل حينما يفطن إلى نفع الناس و يسير في اتجاههم .. يكسب الناس و يكسب معونتهم ..
إن المجتمع يضغط على الفرد و على حريته .. و لكن العقل يستطيع دائماً أن يقلب هذا الضغط إلى مصلحة و منفعة و حرية .. بأن يكتشف ببصيرته القوانين التي تربط الأشياء بعضها ببعض ..
* * *
إن الإنسان يعيش مضطرباً بين عاملين .. عالم رغباته و نزواته و كلها حرة طائشة بلا حدود .. و عالم المادة حوله و هي جامدة محدودة مغلولة في القوانين ..
و سبيله الوحيدة هي معرفة هذه القوانين .
حريته لا تستطيع أن تشق طريقها بدون العلم .. إنها بدون العلم .. تكون مجرد رغبة مجنونة في داخله .. مجرد نية .. و حلم و أمل سجين .
مجرد حرية وجودية تصلح مادة لقصة أو قصيدة أو أغنية أو تمثال .. أو مغامرة .. أو جريمة قتل .. و لكنها لا تصلح لكسب حقيقي واقعي .
إن الفرق بين العبودية و الحرية هو خيط رفيع . خيط رفيع يرقص عليه الإنسان .. و يتأرجح .
إذا سقط في داخل نفسه ضاع في أحلام اليقظة و الرؤيا و الأماني .
و إذا سقط في العالم ضاع في دوامة الزمن الآلي .. و جرفه الروتين و العرف و التقاليد .. و ابتلعه المجتمع في جوفه .
و إذا فتح عينيه و نظر إلى العالم حوله فإنه يستطيع النجاة بحريته , و يستطيع أن يقفز على الحبل خطوات واسعة إلى الأمام ..
إن طريقه ضيقة محفوفة بالمخاطر .. و الموت يترصده من كل جانب .
إن عليه أن يدرس الواقع حوله بما فيه من منخفضات و مرتفعات و مطبات .. و يكتشف ما فيه من قوى .. و يتعرف الطريق إلى قيادتها و الاستفادة منها ..
إن الخيط الذي يسير عليه هو خيط ضيق من الواقع .. يحف به العالم من ناحية .. و تحف به رغباته الطائشة من ناحية أخرى ..
و لو دخل في نفسه و لاذ برغباته و أحلامه و انطوى على ذاته فإنه يموت كما تموت الوردة التي تنفصل من شجرتها .. و تستعبده شهوته و تسجنه غرائزه ..
و إذا ذاب في المجتمع و خضع للناس خضوع الشاة .. فإنه يموت و يفقد شخصيته ..
و حبل النجاة هو ذلك الخيط الرفيع .. حيث يحدث التصادم بين نفسه و العالم .. بين داخله و خارجه .. و حيث تلتحم رغباته بالدنيا .. مائة مرة كل يوم ..
حبل النجاة أن يكون ذاتياً موضوعياً في نفس الوقت , أن تكون عينه مفتوحة على داخله .. واعية لما يجري حوله .. و أن يتدفق نشاطه من هذه البطارية ذات القطبين على الدوام .
بهذا وحده يفوز بنفسه ((و يفوز العالم)) و يصبح إنساناً حراً .
* * *
و لكن هل يفوز بحريته و بلا حدود .. ألا توجد سلطة على غير ظروفه ..
هل يستطيع أن يقول أنه مخير و أنه لا توجد قوة أعلى منه ترسم له مصيره و قدره .
أم أن حريته في غايتها هي حرية بشرية محدودة نسبية .
و أين يكون مكاننا في المشكلة الأزلية .. بين .. المخير .. و المسير ..
About this entry
You’re currently reading “الـخـيــــــط,” an entry on Excerpts
- نشر:
- فبراير 27, 2010 / 7:44 م
- التصنيف:
- خربشـات
- الأوسمة:
